ابن عجيبة

191

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فتقول : إني وجدت امرأة تملكهم ، وهي نفسهم الأمارة ، وأوتيت من كل شئ تشتهيه وتهواه ، من غير وازع ولا قامع ، ولها عرش عظيم ، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات . أو : لها تسلط كبير على من ملكته ، وجدتها وقومها يسجدون للسّوى ، ويخضعون للهوى من دون اللّه ، وزيّن لهم الشيطان ذلك ، فصدهم عن طريق الوصول ، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبدا ما داموا كذلك ؛ لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك . ألا يسجدوا بقلوبهم للّه وحده ، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار ، وعلى ما يسرون من الإخلاص ، وما يعلنون من الأعمال ، التي توجب الاختصاص . وباللّه التوفيق . ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس ، كما قال تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 27 إلى 34 ] قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 27 ) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ ( 28 ) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ( 29 ) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 ) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ( 32 ) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ ( 33 ) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 ) يقول الحق جل جلاله : قالَ سليمان للهدهد : سَنَنْظُرُ أي : نتأمل فيما أخبرت ، فنعلم أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ ، وهو أبلغ من : أكذبت ؛ لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا ، لا محالة ، وإذا كان كاذبا اتّهم فيما أخبر به ، فلا يوثق به ، ثم كتب : من عبد اللّه ، سليمان بن داود ، إلى بلقيس ملكة سبأ ؛ بسم اللّه الرحمن الرحيم ، السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فلا تعلوا علىّ وأتوني مسلمين . قال منصور : كان سليمان أبلغ الناس في كتابه ، وأقلهم كلاما فيه . ثم قرأ : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ . . . إلخ ، والأنبياء كلهم كذلك ، كانت تكتب جملا ، لا يطيلون ولا يكثرون . وقال ابن جريج : لم يزد سليمان على ما قال اللّه تعالى : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ . . . إلخ . ثم طيّبه بالمسك ، وختمه بخاتمه « 1 » ، وقال للهدهد : اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ

--> ( 1 ) ذكره البغوي في التفسير ( 6 / 158 ) .